المقريزي
223
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
تكون لها غلة ، وأن تحبس عليه ، وكتب اسمه في أصحاب الجرايات وقال : أنا قتلت أباه لأنّ الغني يحتاج إلى تدريج وإلّا قتل صاحبه ، هذا كان يجب أن يدفع إليه دينارا بعد دينار حتى تأتيه هذه الحملة على تفرقة فلا تكثر في عينه . وقال القاضي الفاضل عبد الرحيم البيسانيّ رحمه اللّه في تعلق المتجدّدات لسنة سبع وسبعين وخمسمائة ، وفيه يعني يوم الثلاثاء لست بقين من المحرّم ، ركب السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أعز اللّه نصره لمشاهدة ساحل النيل ، وكان قد انحسر وتشمر عن المقس وما يليه ، وبعد عن السور والقلعة المستجدّين بالمقس ، وأحضر أرباب الخبرة واستشارهم ، فأشير عليه بإقامة الجراريف لرفع الرمال التي قد عارضت جزائرها طريق الماء وسدّته ووقفت فيه ، وكان الأفضل بن أمير الجيوش لما تربى قدّام دار الملك جزيرة رمل كما هي اليوم ، أراد أن يقرب البحر وينقل الجزيرة ، فأشير عليه بأن يبني مما يلي الجزيرة أنفا خارجا في البحر ليلقى التيار وينقل الرمل ، فعسر هذا وعظمت غرامته ، فأشار عليه ابن سيد بأن يأخذ قصاري فخار تثقب ويعمل تحتها رؤوس برابخ وتلطخ بالزفت وتكبّ القصاري عليها وتدفن في الرمل ، فإذا أراد النيل وركبها ، نزل من خروق القصاري إلى الرؤوس ، فأدارها الماء ومنعتها القصاري أن تنحدر ، ودامت حركة الرمل بتحريك الماء للرؤوس ، فانتقل الرمل ، وذكر أنّ للزفت خاصية في تحويل الرمل قال : وفي هذا الوقت احترق النيل وصار البحر مخايض يقطعها الراجل ، وتوحل فيه المراكب ، وتشمر الماء عن ساحل المقس ومصر ، وربّى جزائر رملية أشفق منها على المقياس لئلا يتقلص النيل عنه ، ويحتاج إلى عمل غيره ، وخشي منها أيضا على ساحل المقس لكون بنيان السور كان اتصل بالماء ، وقد تباعد الآن عن السور ، وصار المدّقوّته من برّ الغرب ، ووقع النظر في إقامة جراريف لقطع الجزائر التي رباها البحر ، وعمر أنوف خارجة في بر الجيزة ليميل بها الماء إلى هذا الجانب ، ولم يتم شيء من ذلك . وقال ابن المتوّج في سنة خمسين وستمائة : انتهى النيل في احتراقه إلى أربعة أذرع وسبعة عشر أصبعا ، وانتهى في زيادته إلى ثمانية عشر ذراعا ، وكان مثل ذلك في دولة الملك الأشرف خليل بن قلاون ، وكان نيلا عظيما سدّ فيه باب المقس ، يعني الباب الذي يعرف اليوم بباب البحر عند المقس ، وفي سنة اثنتين وستين وستمائة أحضر إلى الملك الظاهر بيبرس طفل وجد ميتا بساحل المقس ، له رأسان وأربعة أعين وأربعة أرجل وأربعة أيد ، وأخبرني وكيل أبي الشيخ المعمر حسام الدين حسن بن عمر السهرورديّ رحمه اللّه ، ومولده سنة اثنتين وسبعمائة بالمقس ، أنه يعرف باب البحر هذا ، إذا خرج منه الإنسان فإنه يرى برّ الجيزة ، لا يحول بينه وبينها حائل ، فإذا زاد ماء النيل صار الماء عند الوكالة التي هي الآن خارج باب البحر المعروفة بوكالة الجبن ، وإذا كان أيام احتراق النيل بقيت الرمال تجاه باب البحر ، وذلك قبل أن يحفر الملك الناصر محمد بن قلاون الخليج الناصريّ ، فلما حفر